على مسارين متوازيين، مالي وعسكري، تتكثّف الضغوط على "حزب الله" في هذه المرحلة، ففيما ترفع تل أبيب وتيرة تهديداتها باستكمال "مهمّة" القضاء على الحزب ليس فقط لنزع سلاحه، بل أيضًا لمنع تسلّحه من جديد، بل إنّ بعض مسؤوليها يذهب إلى حدّ القول إنّ موعد ما يسمّونه بـ"المعركة الأخيرة" في الشمال قد حُدّد، تقود الولايات المتحدة نوعًا آخر من الضغوط، يتجلى في العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على شخصيات مرتبطة بالحزب.
وقد يكون المسار المالي الذي تقوده وزارة الخزانة الأميركية أكثر وضوحًا وجرأة، إذ إنّ المسألة لم تعد مجرد أسماء تضاف إلى لوائح العقوبات، لمن تتّهمهم الولايات المتحدة بتمويل الحزب، وبالتالي مساعدته على التسلح، بل ثمّة مقاربة متكاملة هدفها تضييق الخناق على كل مسار يمكن أن تصل عبره الأموال إلى الحزب، من التحويلات الإيرانية المباشرة، إلى شبكات رجال الأعمال، إلى الاقتصاد الموازي الذي نما على هامش الانهيار اللبناني.
أكثر من ذلك، ما يثير الانتباه هو أنّ هذا الضغط يُمارَس على مستويين في آن واحد، وذلك من خلال تشديد الرقابة على النظام المصرفي اللبناني، ورفع سقف التوقعات من الدولة لجهة الالتزام بتشريعات "مكافحة تبييض الأموال" و"تمويل الإرهاب" من دون استثناءات أو هامش تساهل، وفي الوقت نفسه عبر تحريك مسارات مكمّلة خارج لبنان، تستهدف البيئات التي يتحرك فيها الحزب ماليًا في دول أخرى، في محاولة لتجفيف أي شبكة التفافية يمكن أن يلجأ إليها.
ويطرح هذا التوازي بين الضغط المالي والاستنزاف العسكري أسئلة بالجملة حول الهدف الفعلي الذي تسعى إليه واشنطن وتل أبيب، فأيّ معادلة تُرسَم لدور "حزب الله" في المرحلة المقبلة؟ هل المطلوب دفع الحزب إلى تسوية شاملة تُعيد تعريف دوره وسلاحه، أم أن المقصود هو انتزاع تنازلات موضعية ومتدرّجة يمكن البناء عليها لاحقًا؟ وقبل هذا وذاك، هل يمكن لـ"حزب الله" أن يقدّم مثل هذه التنازلات الجوهرية، ولو تحت عنوان "تسوية"؟!.
صحيح أنّه من المبكر الحصول على إجابات واضحة، وربما يقينية، على هذه الأسئلة، لكنّ المؤكد برأي معظم المتابعين، هو أنّ فكرة "نزع السلاح الفوري" تبدو غير واقعية في ضوء موازين القوى الداخلية والإقليمية، إلا أنّ الواضح أيضًا أنّ هناك محاولة لفرض قيود متزايدة على حرية استخدام هذا السلاح، أولًا في الجنوب عبر أي صيغة جديدة لترسيم قواعد الاشتباك أو انتشار المقاتلين، وثانيًا في الإقليم عبر الحد من قدرة الحزب على تمويل حضوره في ملفات كالساحة السورية أو العراقية أو اليمنية.
بهذا المعنى، تراهن واشنطن على أن ضرب "شرايين التمويل" سيصيب في العمق نموذج عمل الحزب الذي بُني خلال عقود على معادلة بسيطة قوامها سلاح ممسوك مركزيًا، وتمويل خارجي ثابت أساسه إيران، واقتصاد اجتماعي موازٍ يوفّر شبكة أمان لبيئته عندما تتراجع الدولة أو تغيب. ولأنّ كل خلل في أحد أضلاع هذا المثلث ينعكس على البقية، فإنّ العقوبات لا تضرب فقط قدرة الحزب على التسليح والتسليح المضاد، بل تصيب قدرته على تمويل شبكة الخدمات، رعاية الجرحى، التعويض على المتضررين، وتحسين ظروف العيش في مناطق نفوذه.
بالتوازي، يواصل المسار العسكري إنتاج ضغط من طبيعة مختلفة، إذ إنّ إسرائيل ترفع منذ أيام منسوب الاستهداف في الجنوب، من دون تمييز بين العسكريين والمدنيين، وتبقي سقف التهديد بحرب واسعة حاضرًا في خطاباتها السياسية والعسكرية، من دون أن يُعرَف ما إذا كانت فعلاً تتّجه إلى هذا الخيار، كما يقول قادتها، أو أنّ رفع السقف العسكري يهدف إلى رفع السقف التفاوضي، وبالتالي أن يصبح مَدخَل أيّ مفاوضات هو نزع السلاح مثلاً.
في العمق، تحاول تل أبيب، بدعم سياسي أميركي، أن تقول إنها قادرة على مراكمة الخسائر على بنية الحزب العسكرية، من دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب شاملة، ولو أنّها تلمّح إلى رغبتها بخوضها، لاستكمال ما تصفها بـ"مهمّة" القضاء على "حزب الله" الذي لا يبدو من جهته، مستعدًا حتى الآن لتغيير تكتيك "الصمت والصبر" تحت عنوان "الركون إلى الدولة"، منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم تطبّقه إسرائيل يومًا واحدًا.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية عالقة بين نارين، فهي لا تستطيع أن تتجاهل الضغوط الأميركية، في ظل حاجة البلد إلى أي منفذ مالي أو شريان حياة يمكن أن يخفّف من قسوة الانهيار، ولكنّها في الوقت نفسه لا تمتلك "ترف" الدخول في مواجهة مفتوحة مع الحزب، ولذلك تتّجه إلى محاولة "تدوير الزوايا"، من خلال رسائل طمأنة للخارج عن جدّية الالتزام بالتشريعات الدولية، وبعض الإجراءات التقنية في المصرف المركزي والقطاع المصرفي، مقابل خطاب داخلي يُطمئن إلى أن المقصود هو "مكافحة التهرّب والفساد" لا استهداف مكوّن بعينه.
من جهته، يقرأ "حزب الله" المشهد على أنه فصل جديد من "حرب الإخضاع" المفتوحة عليه منذ نشأته، والتي أخذت في السنوات الأخيرة شكلًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا بعد الحرب "الأقسى" التي شُنّت عليه بعيد فتحه "جبهة الإسناد" لقطاع غزة، والتي دفع ثمنها اغتيالات طالت كبار قياداته، بمن فيهم أمينه العام السابق وزعيمه التاريخي السيد حسن نصر الله، والتي يبدو أنّها تأخذ اليوم شكل حرب مالية وقانونية تمتد من واشنطن إلى عواصم أوروبا وأميركا اللاتينية.
لذلك، يقدّم الحزب نفسه أمام بيئته على أنه المستهدف الأول لأنه "العائق الأخير" أمام مشاريع التسوية المفروضة على المنطقة، في محاولة منه لشدّ العصب والحفاظ على التماسك الداخلي، ولو بالحدّ الأدنى، في وقتٍ يتجّه إلى مزيد من الاحتماء بالاقتصاد الموازي والقنوات الأقل شفافية، عبر تكثيف الاعتماد على التحويلات النقدية، التوسّع في استخدام شبكات "الحوالة"، وتنويع مصادر التمويل من بيئات خارج الرقابة الصارمة.
في ظلّ هذا المشهد المعقّد، تغيب حتى الآن أي رؤية لبنانية جامعة لكيفية التعامل مع هذا الضغط المركّب، إذ إنّ القوى السياسية المختلفة تنظر إليه من زوايا متباينة. هناك من يراه فرصة لإعادة فتح ملف سلاح الحزب من بوابة "حماية الدولة والاقتصاد"، وهناك من يراه خطرًا يهدّد التوازن الداخلي ويستدعي حماية الحزب في مواجهة ما يُقدَّم على أنه استهداف لبيئته لا لمجرّد قدرته العسكرية. وبين الموقفين، يغيب النقاش الجدي حول الشكل الممكن لأي تسوية داخلية، وحدودها الواقعية في ظلّ موازين القوى القائمة؟
في الخلاصة، ما يُبنى اليوم عبر العقوبات والتهويل بالحرب يبدو محاولة لإنتاج "معادلة جديدة" لدور "حزب الله" في لبنان وفي الإقليم، بأدوات أقل كلفة من الحرب المباشرة، لكن ليس بالضرورة أقل خطورة على استقرار بلد هشّ أصلًا. فنجاح هذه المحاولة أو فشلها لن يتوقف فقط على قدرة الحزب على الصمود أو قدرة واشنطن وتل أبيب على الإصرار، بل أيضًا على قدرة اللبنانيين أنفسهم على صياغة جواب واضح على أسئلة من الطراز الثقيل: ما هي حدود دمج قدرات الحزب في استراتيجية دفاعية وطنية؟ كيف يمكن تنظيم علاقته بالمؤسسات الرسمية؟ وما هو الثمن السياسي الذي يمكن أن يُدفع في المقابل على مستوى الشراكة في السلطة وإدارة الدولة؟.





















































